تغير شكل القائمة العلوية

اخفاء اخر المشاركات

أين الخلل؟ - تأليف: الإمام يوسف القرضاوي



[1] وقفة مع الأمة الإسلامية

تابعت باهتمام ما أثارته مجلة «الأمة»الغراء، منذ كتب الأخ الفاضل د. نعمان السمرائي، مقالة: أين الخلل؟ في العدد السادس والأربعين. وقد دعت المجلة أهل الرأي والفكر إلى المشاركة في هذه القضية حتى تستبين معالمها، كما شرفتني بالبحث على الإسهام فيها بنصيب.
والقضية خليقة أن تفرد بالعناية، وأن يمنحها رجال الفكر الإسلامي بعض وقتهم وجهدهم. وأحسب أني ممن ساهم فيها من قبل ببعض ما كتبت من كتب ومقالات. ولكن الجهد فيها ينبغي أن يستمر ولا يتوقف.
ولا بد من البداية أن نحدد المشكلة التي نبحث عن حلها: ما هي؟
أهي البحث عن «الخلل» لنسده؟ أم نحن نعرف «الخلل»فعلًا ولكننا لا نعرف كيف نسده؟ هل المشكلة في صعوبة «التشخيص» أم في وصف العلاج؟ أم في الإيمان به والصبر على تناوله مهما يكن مرًا؟
وبعبارة أخرى: هل تتجسد مشكلتنا في عدم وجود الطبيب القادر على التشخيص؟ أم في عدم وجود الداء الناجع في اقتلاع الداء؟ أم في أن المريض نفسه غير قابل للدواء، ولا متجاوب مع العلاج؟
ثم لا بد أن نحدد المحيط الذي نبحث فيه عن «الخلل» أو «العلل» أهو محيط الأمة الإسلامية على اتساعها أم هو محيط الحركة الإسلامية؟ أم هما معًا؟
أعني: من هو المريض الذي نَطِبُ له، والذي نحاول أن نشخص داءه، ونصف دواءه؟ وأعتقد أننا لا نتحدث عن الخليج، ولا عن العرب فقط، ولكن عن الأمة الإسلامية، حيثما ارتفعت المآذن، ونادى المنادي: الله أكبر.
وإذا كنا نبحث في محيط أمتنا الكبرى، فإن كلمة «الخلل» فيها تساهل كبير لا يعبر عن الواقع الذي نعانيه، والأدواء التي تشكو منها.
إنه ليس خللًا بل غيبة عن الوعي:
إن عبارة «الخلل» عند إطلاقها تعني أن الغاية قد حددت، وأن الطريق قد اتضح، وأن الوسيلة قد هيئت، ولكن الخلل أصاب الوسيلة في وسط الطريق.
خذ لذلك مثلًا الطالب الذي يريد أن يسافر ليطلب العلم، وقد عرف أي علم يطلب؟ وإلى أي بلد يذهب؟ وأي طريق يسلك؟ ولكن سيارته التي يمتطيها تعطلت في الطريق، إن هناك خللًا ولا بد قد حدث. أهو في المولد؟ أم في «الموتور»؟ أم في غيرهما؟ لا بد من البحث عنه حتى يعرف ما هو، فإذا عرفناه عالجناه.
فإذا طبقنا ذلك على حال أمتنا الإسلامية، وجدنا الأمر أكبر وأعمق من مجرد «خلل»، إنه غيبة عن الوعي، إنه فقدان الهوية، إنه التيه عن الغاية ومن بعده - بالضرورة - ضياع الطريق!!
أمة نسيت نفسها:
إننا إذا نظرنا إلى أمتنا في ضوء ما وصفها به الله في كتابه، وجدناها أمة أخرى غير أمة القرآن، وصفها الله تعالى بالخيرية، وعلل خيريتها بأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله: {كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ} [آل عمران: 110].
وأمتنا اليوم - إلا من رَحِم ربك - لا تأمر بالمعروف، ولا تنهى عن المنكر، بل فقدت حسها وميزانها، فرأت المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا، بل بات فيها من يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف، وغشيتها فتنة تذر الحلم حيران.
أمتنا وصفها الله بالواسطية حين قال: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا}[البقرة: 143]، وهي الآن قد تركت المنهج الوسط، والموقع الوسط لتميل إلى اليمين أو اليسار، وتجنح إلى الشرق أو الغرب، فتركت «الصراط المستقيم»صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، إلى طريق المغضوب عليهم والضالين، واتبعت سنتهم شبرًا بشبر، ذراعًا بذراع.
وصفها الله بالوحدة حين قال: {إنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُونِ} [الأنبياء: 92]، وهي الآن لم تعد أمة واحدة، كما يحب الله، بل أُممًا شتى كما أراد الاستعمار، أمم تعادي بعضها بعضًا، بل يقاتل بعضها بعضًا.
والخلاصة: أن أمتنا نسيت الله فأنساها ذاتها، وصدق الله: {وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ فَأَنسَىٰهُمۡ أَنفُسَهُمۡ} [الحشر: 19].
والحق أنه لا معنى لوجود هذه الأمة بغير الإسلام، ولا انتصار لها بغير الإسلام، ولا وحدة لها بغير الإسلام، ولا عزة لها بغير الإسلام، ورضي الله عن أمير المؤمنين عمر الذي قال: «نحن كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العز بغيره أذلنا الله!!».

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المتابعون

عدد مشاهدات الموقع

قناتنا على تليجرام

لمتابعة جديد الكتب عبر قناتنا في التلغرام